ملخص المقال
ماذا تفعل إذا علمت أن هناك تقرير دوري يرفع عنك كل يوم، وكل أسبوع، وكل عام، إلى رئيسك المباشر، أو إلى الرئيس الأعلى للهيئة التي تعمل بها؟
ماذا تفعل إذا علمت أن هناك تقرير دوري يرفع عنك كل يوم، وكل أسبوع، وكل عام، إلى رئيسك المباشر، أو إلى الرئيس الأعلى للهيئة التي تعمل بها، أو إلى رئيس البلاد؟
وكلما ارتفع مستوى من يُرْسَل إليه التقرير، وكلما كانت المضاعفات كبيرة ومؤثرة لمعرفته أحوالك، كان اهتمامك بصورة هذا التقرير.
اعلم أن هناك تقرير يكتب عنك يوميًّا، وأسبوعيًّا، وسنويًّا، لله رب العالمين!
• الله تعالى يعلم كل شيء دون تقارير ولا ملائكة. قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]. ولكنه أراد نظامًا لهذا الكون، وأخبرنا بهذا النظام، وفيه تسجيل دقيق للأعمال؛ لكي تقام الحجة على كل عبد.
• قال تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (مترصِّد) (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (مهيأ للتسجيل)} [ق: 17، 18]
• وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ".
الأعمال ترفع في درجات ثلاث:
رفع يومي: روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
رفع أسبوعي:
• روى أبو داود عن أسامة بن زيد قال: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ».
• وفي رواية خصَّ برفع الأعمال يوم الخميس وحده؛ فعند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ».
رفع سنوي: روى النسائي وأحمد وغيرهما عن أسامة بن زيد، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
لماذا التقرير طالما أن كتاب العبد يجمع كل ذلك، وسوف نحاسب عليه يوم القيامة؟
من المؤكَّد أن هناك فائدة تعود على العبد عند عرض الأعمال على الله تعالى يوميًّا، وأسبوعيًّا، وسنويًّا، وأوضح الأمور لنا أمران:
• الأول: احتمال مغفرة الذنوب المرفوعة أولًا بأول، ويؤكِّده حديث مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا".
• الثاني: التوفيق الذي يعطيه الله تعالى للعبد إذا رأى منه خيرًا، وهذا التوفيق يقوده إلى خيري الدنيا والآخرة.
لهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن تكون صورته حسنة وقت عرض الأعمال، ولذا كان يتقرَّب إلى الله تعالى بالعبادة التي اختصَّها الله تعالى لنفسه لثبوت الإخلاص فيها، وهي عبادة الصيام، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
وهذا الذي يفسِّر كثرة صيامه صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان؛ فقد روى البخاري أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ".
الخلاصة:
1. ينبغي للعبد أن يستشعر المراقبة الكاملة لله تعالى له، ويستوثق من دقة التسجيل. قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].
2. ينبغي للعبد تحسين صورته عند عرض الأعمال على الله تعالى، ومن أفضل هذه الأعمال الصيام، ولذا كانت هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان.
3. روى مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «.. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.






التعليقات
إرسال تعليقك